أعلام تونسية

شيخ الإسلام محمد العزيز جعيـط

لمحة عن حياته

ولد الشيخ جعيط عبد العزيز المعروف بمحمد العزيز بمدينة تونس في أوائل ماي 1886. وهو ينتمي إلى أسرة عريقة اشتهرت بالعلم والسلطة. فقد تولى والده الشيخ يوسف جعيط الوزارة الكبرى في عهد محمد الناصر باي.[1]

درس عبد العزيز جعيط في جامع الزيتونة على عدد من العلماء منهم: الشيخ سالم بوحاجب، الشيخ محمد النخلي، الشيخ إبراهيم المارغني، الشيخ محمد الخضر حسين…[2]

وتخرج من الزيتونة بشهادة التطويع في سنة 1907، وانضم إلى هيئة التدريس فيها، وترقى إلى رتبة أستاذ في عام 1935. تخرج على يديه أجيال من الطلاب تدين له بالفضل، وتعترف بسعة الإطلاع. وكان من ألمع تلامذته الجزائريين: إبراهيم أبو اليقضان، أبو بكر الأغواطي، عمار بن لزعر، والمهدي البوعبدلي، مولود طياب[3]…الخ.

وعيّن مفتيا مالكيا في سنة 1919. وكلف بإدارة مشيخة جامع الزيتونة وفروعه في ديسمبر 1939. وسمي شيخ الإسلام للمذهب المالكي في فبراير 1945. وبعد سنتين، تولى وزارة العدل. وفي 1950 استقال من الوزارة واكتفى بمنصب شيخ الإسلام. كذلك اختارته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين رئيسا شرفيا لها في سنة 1951. وفي عام 1956، عيّن مفتيا للجمهورية فبقي في هذا المنصب إلى غاية تقاعده في سنة 1960.[4]

وفي مجال التأليف، ألف مجموعة كتب منها: إرشاد الأمة ومنهاج الأئمة، الطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية على مذهب المالكية، مجالس العرفان ومواهب الرحمان. وترك العديد من الدراسات والمقالات والفتاوى نشرها في الجرائد التونسية والمجلة الزيتونية. وهي لم تجمع بعد.

نصف قرن في تأصيل الفتوى

لقد تقلد الشيخ جعيط كل المناصب التي تخوّل له ممارسة الإفتاء: أستاذ بجامع الزيتونة، مفتي المالكية، شيخ الإسلام، وزير العدل ومفتي الجمهورية التونسية بعد الاستقلال. وقد خاطبه الشيخ عبد الحميد بن باديس حينما سمع بترشيحه لمشيخة جامع الزيتونة خلفا للشيخ محمد طاهر بن عاشور ليذكره بعظمة هذه المسؤولية، فنبهه إلى ضرورة التحلي بالشجاعة والتمسك بالحق والدفاع عن الدين الصحيح بلا تردد حتى لا يصيبه ” وعيد الكاتمين … وإثم الهالكين والمعاندين.”[5]

وقدم الشيخ جعيط خلال عمره الطويل فتاوى كثيرة نشرتها الصحافة والإذاعة التونسية، غير أنها لم تجمع كلها لتعم الفائدة، خاصة وأنه تناول قضايا معاصرة مازال الجدال قائما حول بعضها إلى اليوم. وقد جمع الدكتور محمد بوزغيبة أستاذ بجامعة الزيتونة مجموعة من هذه الفتاوى، وأصدرها في عام 1994 عن مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان.

وقد اعتبره عدد من الباحثين (الدكتور حسين أبو لبابة، الدكتور محمد بوزغيبة والدكتور علي العلوي) من المجتهدين المجددين والمستنيرين، فهو قد “جمع بين سعة الفقه وحسن الاستدلال ودقة استخراج الحكم والإحاطة الشاملة بوجوه الرأي وبأصول المذاهب الإسلامية المختلفة…ويغلب عليها طابع التيسير واستهداف المصلحة العامة.”[6]

ومن أبرز الفتاوى التي قرأتها للشيخ جعيط ولفتت انتباهي تتمثل في الإجابة التي قدمها لعدد من الجزائريين الذين استفتوه في حكم صلاة الجمعة في مسجد بجامع قسنطينة منعت السلطة الاستعمارية إقامة الصلوات الخمس فيه. فأجاب بصحتها، واغتنم الفرصة ليكشف هذا الظلم الذي تمارسه الحكومة الفرنسية في الجزائر، ويبيّن عقابه في الشرائع الدينية، ويذكر الاستعمار الغربي بسماحة الإسلام مع كنائس النصارى ومعابد اليهود عبر التاريخ الإسلامي.[7]

 الشيخ جعيط في رحاب الثورة الجزائرية

لقد توغل الاستعمار في البلدان الإسلامية واستحوذ على ثرواتها بسبب تشتت المسلمين وتخاذلهم وعدم التعاون فيما بينهم. ولعل أبرز مثال على ذلك في نظر الشيخ جعيط هي الجزائر التي وجدت نفسها تقاوم وحدها الاحتلال الفرنسي بامكانات محدودة خلال قرن وزيادة، فلو وجد رجالها الأبطال مساعدة من إخوانهم العرب والمسلمين لاسترجعوا سيادتهم بسرعة، وأخذوا حريتهم منذ فترة طويلة.

ولهذا دعا الشيخ جعيط إلى مناصرة الجزائريين في ثورتهم التحررية بكل ما يقدرون عليه حتى يستدركوا ما فاتهم من القيام بالواجب ونصرة المظلومين، فقال في هذا الشأن: “يجب على جميع الشعوب الإسلامية … أن تتضامن مع الشعب الجزائري في كفاحه لحفظ دينه وعربيته وحريته، واسترداد سيادته، وتدعيم قوميته، وأن تمده بما يمكنه من النصر وإدراك أمنيته. إن إمداد الجزائريين المكافحين، وهم جماعات جبهة التحرير الميامين بالمال الغزير والسلاح الوفير، من أفضل أنواع الجهاد، الموجب لرضا الله ورسوله يوم المعاد.”[8]

وكانت تونس من أهم الدول العربية التي ساندت الثورة الجزائرية وفتحت حدودها لاستقبال آلاف من العائلات الجزائرية الفارة من بطش الاستعمار. وحث الشيخ جعيط في العديد من خطبه التونسيين والمغاربة والليبيين على مؤازرة الآلاف من اللاجئين الجزائريين وإيوائهم وتوفير كل شروط الإقامة لهم: وقد جاء في إحدى خطبه:” يلزم كل واحد في المغرب العربي أن يكرس قواه ليعين اللاجئين الجزائريين بالإيواء والغطاء، والغذاء والكساء ويعالج جرحاهم ويمدهم بالدواء، ويتطوع بنفسه مع المكافحين لقطع يد الاعتداء، ويستعمل لسانه وقلمه للتشهير بأعمال الاستعمار الفظيعة ليبلغ صداها جميع الأنحاء. إن الجزائريين جيران لنا في الأوطان، إخوان لنا في الدين والنسب واللسان، لا يمكننا أن نتخلى عنهم وإن جر لنا ذلك الأشجان والأحزان، ولا نقصر في مقاومة ما يسلط عليهم من الاضطهاد والعدوان.”[9]

ولم تتردد حكومة الاحتلال من معاقبة كل من يساند الثورة الجزائرية بأشكال مختلفة، فاعتدت على مصر في سنة 1956، كما قصفت عدة مرات تونس بذريعة إيوائها للمجاهدين الجزائريين. ولعل أشهر هذه الجرائم في حق الشعبين التونسي والجزائري هو قصف قرية ساقية سيدي يوسف على حدود البلدين في 8 فبراير 1958. وأسفر ذلك مقتل العديد من الجزائريين والتونسيين الأبرياء من مختلف الأعمار.

وقد أثارت هذه المجزرة ردود أفعال كثيرة ووجهت انتقادات كثيرة للحكومة الفرنسية. وفي هذا السياق ندد الشيخ جعيط بهذه الجريمة النكراء، ثم كشف زيف الإعلام الفرنسي المشوه للحقائق، فصور الشيخ جعيط الحدث تصويرا دقيقا كشف للعالم عن فظاعة الجريمة التي ارتكبها الطيران الفرنسي في حق الجزائريين العزل، والتونسيين الذين آووهم وآزروهم، فقال في هذا الصدد:” فقد نزل بقرية ساقية سيدي يوسف أعاصير الأهوال، واستشهد العديد من الشيوخ والرجال والنساء والأطفال. وجرح فريق آخر وتقطعت منه الأوصال ودكت المنازل فأصبحت خاوية على عروشها ليس لها ظلال. وتلاشت الأقوات والأمتعة وهلكت الأنعام والأموال. وبقي الأحياء شردا منتشرين في السهول والجبال. كل ذلك من بغي الاستعمار … حيث أرسل طائراته المدمرة والمحرقة. وصوب رشاشاته الفتاكة الموبقة نحو ناس ليسوا معه في قتال قصد الانتقام والنكال ممن آوى إخواننا الجزائريين الصناديد الأبطال الفارين من اعتداءاته الفظيعة وتعذيبه الأليم الذي لا يحيط بوصفه مقال.”[10]

وذكر الشيخ جعيط بهذه المناسبة بالعلاقة المتينة بين الجزائريين والتونسيين وما تتطلبه هذه الصلة من مواساة ومناصرة بينهم، فقال: ” إن الجزائريين المكافحين الأحرار يمتّون إلينا بصلة الدين واللغة والعروبة والجوار، ويفرض علينا الإسلام أن نمدهم بما يتوّج كفاحهم بالانتصار وأن نبذل ما في وسعنا لتخليصهم من بغي الاستعمار، ولو تجرعنا في ذلك كؤوس المشاق المرار.”[11]

كذلك قامت الحكومة الفرنسية بوضع الأسلاك الشائكة وزرع الألغام على الحدود الجزائرية التونسية من القالة شمالا والصحراء جنوبا لمنع التنقل بين الجزائر وتونس بذريعة إيقاف عمليات تسليح المجاهدين داخل القطر الجزائري. واعتبر الشيخ جعيط إنشاء  منطقة محرمة دليلا على تعنت السلطة الفرنسية في سياستها العمياء، وإصرارها على إبادة الشعب الجزائري وقطع الصلة بين الشعبين: ” إجلاء سكانها عنها وهدم دورها وإحراق نباتها وغاباتها الرحبة الميادين، وإبادة هؤلاء المساكين البالغين مئات الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ العاجزين الفاقدين للتموين …إن المصير المحقق لهذا العدد العديد هو الفناء”.

وتوجّه الشيخ جعيط بعد ذلك إلى أنصار فرنسا في العالم الغربي، وحملهم مسؤولية إنسانية، فطالبهم أن يدعموا كفاح الشعب الجزائري، ويفضحوا الجرائم التي تقترفها فرنسا ضده، ويضغطوا على الحكومة الفرنسية لتعترف للجزائريين بحقهم في الحرية والاستقلال: “إن ما أقدمت عليه حكومة فرنسا الاستعمارية أشنع جريمة تقترف ضد الإنسانية. فهل تتحرك الضمائر الحية، وخاصة ضمائر الدول الغربية إلى الإبقاء على الحرمة البشرية وإيقاف الحرب الجزائرية، والإمساك عن إمداد حكومة الاستعمار الغاشم بالأسلحة الحربية والإعانات المالية.”[12]

وتوفي الشيخ محمد العزيز جعيط في 27 شوال 1389 ه الموافق لـ 5 جانفي 1970 بعد عمر طويل حافل بالعطاء في التعليم والإفتاء، وخدمة الدين، والدفاع عن حقوق المسلمين، ونصرة قضاياهم العادلة وعلى رأسها القضية الجزائرية.

———————————————

[1]محمد العزيز جعيط. فتاوى شيخ الإسلام محمد العزيز جعيط. دراسة وتحقيق محمد بن إبراهيم بوزغيبة. مركز الدراسات الإسلامية، القيروان، ط1، 1994، ص 20.

[2]فتاوى، ص 21.

[3] مولود طياب. جامع الزيتونة. البصائر، العدد 64، 24 سبتمبر 2001.

[4]كمال الدين جعيط. الشيخ جعيط حياته وآثاره. جوهر الإسلام، س 9، ع 4، 1977؛ س 10، ع 3، 1978.

[5]البصائر، العدد 27، 10 جويلية 1936.

[6] علي العلوي. الاجتهاد المعاصر والفكر المستنير بالبلاد التونسية في القرن العشرين. الهداية، العدد 176، أكتوبر 2008، ص 50-51.

[7] فتاوى، ص 37-38.

[8] محمد العزيز جعيط. إرشاد الأمة ومنهاج الأئمة. الشركة التونسية للتوزيع، تونس، 1986، ص 272.

[9] جعيط. إرشاد، ص 260-261.

[10] جعيط، إرشاد، ص 254.

[11] جعيط، إرشاد، ص 254.

[12]جعيط، إرشاد، ص 261.

المصدر : http://www.odabasham.net/show.php?sid=54120

Comment here