أعلام تونسية

المفكر المصلح محمد البشير صفر

تزخر هذه البلاد الطيبة بعديد المفكرين والمصلحين والعاملين خيرا لفائدة المجموعة والصالح العام، في مجال النشاط الانساني سواء كان اقتصاديا او اجتماعيا او تربويا او ثقافيا بل ان البعض او الكثير من أبناء هذا الشعب تميز الواحد منهم في نفع الناس وخدمتهم في جميع هذه المجالات المفيدة.
وقد تدفق سيل المفكرين المصلحين بهذه الارض المعطاء رغبة في التحديث والرفع من شأن نوعية الحياة بها منذ أواسط القرن التاسع عشر اثر ظهور كوكبة المصلحين الرواد من المفكرين العباقرة في السياسة والادب والفكر والتربية والاعمال الاجتماعية الخيرة، أمثال خير الدين باشا واحمد ابن أبي الضياف، والجنرال حسين والعربي زروق، ومحمود قابادو، وغيرهم.
وبعد ذلك ظهرت مجموعة أخرى لعل أبرزها على الاطلاق الوطني الغيور والمفكر المصلح المرحوم محمد البشير صفر المولود في 27 فيفري 1856 من أسرة عريقة في مدينة المهدية يعود أصلها الى سلائل الاتراك، فنشأ في منزل والده بتونس العاصمة، وتعلم بكتّاب الحي، ثم بالمدرسة الصادقية حيث كان أول من دخل اليها اثر افتتاحها سنة 1875، واهتم به منذ نشأته الاولى الوزير خير الدين وقربه اليه، حتى كان من بين نخبة الطلبة الذين بعثتهم الدولة الى فرنسا لمواصلة الدراسة العليا، فكان هو الناظر والقيم على أصحابه بالخارج، وعند العودة أجبر على قبول وظيفة الترجمة من العربية الى الفرنسية والعكس، في الادارة التي كانت الحماية انذاك فرضت عليها وعلى كامل البلاد والعباد منذ سنة 1881، فكانت هذه هي التضحية الاولى للبشير صفر من اجل بلاده، فعمل في قسم المحاسبات المالية، في نفس الوقت الذي عهد اليه ادارة مدرسة ابتدائية فرعا من الصادقية ببطحاء رمضان باي بالعاصمة، فكان هو المدير والمعلم معا.
على ان نشاط الرجل تواصل برغبته تكوين نخبة من أبناء تونس يعملون للنهضة الفكرية وبث المعارف عن طريق الصحافة، فأنشأ جريدة أسبوعية سياسية ثقافية جامعة اختار لها من الاسماء «الحاضرة» صدر العدد الاول منها يوم 2 أوت 1888، وكان البشير صفر المدير المؤسس والمسؤول الاول.
أما علي بوشوشة فكان رئيسا لتحريرها، وكان دور تلك الجريدة تنوير الرأي العام التونسي بحقائق قضايا البلاد الاسلامية، وتوعية أبناء الوطن بوضع تونس السياسي والاقتصادي.
ولم يقف نضال المرحوم البشير صفر عند ذلك الحد، بل قام بتأسيس جمعية ثقافية فكرية هي «الخلدوينة» في اخر سنوات القرن التاسع عشر، فأسدت للناشئة خدمة جليلة تمثلت في القاء دروس ومحاضرات اضافية لطلبة جامع الزيتونة في العلوم الرياضية والاجتماعية والطبيعية فضلا على المحاضرات ذات الطابع الفكري، وكان لتلك الجمعية الفضل في اعداد جيل جديد من المثقفين، المتبصرين العاملين على الارتقاء بمستوى الناشئة وتوعيتهم بما يدور حولهم في العالم وما يجب عليهم نحو بلادهم من واجبات وطنية لمقاومة المستعمر المحتل للارض والعرض.
وفي نفس الفترة تم اختيار المرحوم البشير صفر لرئاسة «جمعية الاوقاف» وكان ذلك سنة 1898، فقام بواجبه فيها حتى سنة 1908 فوسع نطاق الاعمال الخيرية وساهم بحماس فياض في احياء ما اندثر من التراث الموسيقي التونسي بتأسيس جمعية «الناصرية» الموسيقية، وساهم مساهمة فاعلة في انشاء المدرسة الفلاحية الاهلية الانصارية، وحقق انجازا اجتماعيا عظيما تمثل في الاشراف على بناء مقر للعجز بعد ان كان وضع حجر أساسه محمد الهادي باي، وايميل كوباي Kobet Emile رئيس الجمهورية الفرنسية عند زيارته لتونس، وقد تم بناؤه وتدشينه في مارس 1906 بمجهود كبير من البشير صفر.
ولعل ملاقاته بالشيخ محمد عبده في تونس وبمصطفى كامل زعيم مصر، وبزعيم الحزب الوطني المصري محمد بك فريد زاد في عزم المرحوم البشير صفر ليمضي قدما في أعماله الوطنية والخيرية لفائدة المجتمع التونسي عموما وذلك بنشره العديد من المقالات الصحفية التي تهدف الى تحريك الحس الوطني وإلقاء الخطب والمحاضرات التي حركت سواكن الكثير من أبناء الشعب، فانفجرت في تلك الفترة قبائل ماجر والفراشيش والتوازين ببنقردان ورغمّة بمدنين في وجه السلطات الفرنسية المستعمرة بقيادة المقاومين منهم عمر بن عثمان ومحمد الدغباجي فكانت الحصيلة مقتل مسعمر فرنسي وامرأته، وتنفيذ حكم الاعدام في عدد من الوطنيين التونسيين.
وحتى لا تقوى شعبية ذلك الرجل المناضل البشير صفر وخشية تأثيره البالغ على النخبة السياسية وعلى الطبقة الشعبية، فقد تمت نقلته سنة 1908 الى سوسة بصفته عاملا (واليا) وقد كانت آنذاك أكبر الولايات، فغادر العاصمة وسط احتجاجات شعبية كبيرة، وبموجات أسف وأسى ولوعة كبيرة على نقلته، وكانت ردود الفعل في الصحافة واضحة، وبالاخص ما ورد منها على الصفحات الاولى من جريدة الصواب قائلة «… لقد كان لهذا النبإ المشؤوم (أي نقلة البشير صفر) رنة عظيمة بين كافة التونسيين، لا فرق في ذلك بين العالم بالحقائق والجاهل بخفايا الأمور، فكنت ترى الناس في نواديهم يتساءلون عن علة هذا الانقلاب المهاجم…».

وهكذا انتقل محمد البشير صفر من رئاسة «الأوقاف» واصدار الجريدة وتحرير المقالات الحماسية الوطنية وتدريس الطلبة بالعاصمة، الى ادارة ولاية سوسة مكرها مجبرا مضطرا الا انه قام بواجبه هناك احسن قيام، بنفس الجدية والروح الوطنية والتواضع والحزم والمبادرة وحب الخير للغير دون اقصاءات ولا حسابات ضيقة، والخدمة الوطنية المتواصلة من اجل مصلحة أبناء تلك الجهة وفي كامل ربوع الساحل، وبقي على رأس تلك الولاية حتى تاريخ وفاته في ديسمبر سنة 1917 اثر مرض عضال وعملية جراحية فخسرت تونس آنذاك شخصية وطنية مرموقة ومصلحا اجتماعي فذا، كان حريصا على مقاومة الظلم والاقصاء والتهميش والارتقاء بأبناء تونس في جميع المجالات وفي طليعتها التعليم والاعمال الخيرية والتوعية والتبصير والتمسك بمقومات الهوية الوطنية.
وحزن عليه جميع أبناء التونسيين من الشمال الى الجنوب ورثاه الشعراء بقصائد عصماء تخلد نضاله ووطنيته ومآثره وتشيد بإنجازاته وبمناقبه منها القصيدتان اللذان ألقاهما الشاعران الكبيران في ذلك الوقت، محمد الشاذلي خزندار، أمير الشعراء والطاهر القصار.

 

 

 

المصدر : جريدة الشروق التونسية

Comment here